المحقق البحراني

16

الكشكول

في بيت من بيوته فرأيت جارية قد ألبست من الجمال حلة الكمال ، فأعجبني حسنها وجمالها وكلامها فخرجت في بعض الأيام أدور في الحي ، وإذا أنا بشاب حسن الوجه عليه أثر الوجد ، أضعف من الهلال وانحف من الخلال ، وهو يوقد نارا تحت قدر ويردد أبياتا ودموعه تجري على خديه فمما حفظت منه قوله : فلا عنك لي صبر ولا فيك حيلة * ولا عنك لي بد ولا عنك مهرب ولي الف باب قد عرفت طريقها * ولكن بلا قلب إلى اين أذهب فلو كان لي قلبان عشت بواحد * وأفردت قلبا في هواك يعذب فسألت عن الشاب وشأنه ، فقيل : هوى الجارية التي أنت نازل في بيت أبيها ، وهي محتجبة عنه منذ أعوام ، فرجعت إلى البيت ، وذكرت لها ما رأيت ، فقالت : ذاك ابن عمي ، فقلت يا هذه إن للضيف لحرمة ، فنشدتك اللّه إلا ما متعته بالنظر إليك في يومك هذا ، فقالت : صلاح حاله أن لا يراني ، فحسبت أن امتناعها فتنة فما زلت أقسم عليها حتى أظهرت القبول ، وهي مكرهة ، فلما قبلت مني قلت لها : أنجزي وعدك ، فداك أبي وأمي ، فقالت : تقدمني فاني ناهضة في أثرك فأسرعت نحو الغلام وقلت : أبشر بحضور من تريد فإنها مقبلة نحوك الآن . فبينما أنا أتكلم معه إذ خرجت من خباها مقبلة تجر أذيالها ، وقد أثارت الريح غبار أقدامها حتى ستر الغبار شخصها ، فقلت للشاب : هذه قد أقبلت ، فلما نظر إلى الغبار سقط وخر على النار على وجهه ، فما أقعدته إلا وقد أخذت النار من صدره ووجهه ، فرجعت الجارية وهي تقول : من لا يطيق مشاهدة غبارها كيف يطيق مطالعة جمالها . لبعضهم وما الفضل إلا ما أقرت به العدا * لصاحبه والشمس لا تتستر مما نسب لأمير المؤمنين عليه السّلام إذا عاش الفتى سبعين عاما * فنصف العمر محقه الليالي ونصف النصف من سهو ولهو * ولا يدري يمينا عن شمال ونصف الربع آمال وحرص * وشغل بالمكاسب والعيال وباقي العمر أمال وشيب * تدل على زوال وانتقال فحب المرء طول الدهر جهل * وقسمته على هذا المثال